قصة جديدة لرمزي الغزوي

كتبهارمزي الغزوي ، في 4 كانون الثاني 2008 الساعة: 16:34 م

قصة قصيرة

 حبل الشبابة

·                     رمزي الغزوي

             

     ليس سهلاً على أبي سليم أن يخسر عنزة من عنزاته العزيزات، لكن ثقته بشبابته الشجية وترانيمها الآسرة جعلتاه يراهن أهل القرية على ذبح تلك العنزة النشاز في قطيعه بيده، فإن كان بها مخ؛ فإنها لهم لحما طيبا مشوياً عند خاصرة الوادي، وإن كانت خلية المخ، وهذا الذي يعتقده جازما؛ فإن ثمنها في رقابهم!!.

      البعض من رعاة الغنم السوداء، يستخدمون استراتيجية بها شيء من الذكاء لقيادة القطيع، ولحفظه من الضياع والتشتت، فالراعي المحنك يختار أشقى العنزات وأكثرها (قردنة)، ويعلق في عنقها جرساً صغيراً، ثم ينتقي أضعف العنزات، وأقلها عفرتة، ويعلق بها جرساً آخر: فالعنزة الشقية، وبوساطة صوت الجرس وقرقعته، تدلُّ الراعي إلى أي حد وصل القطيع بالتقدم، والعنزة الخاملة تدله إلى أين ظل القطيع متأخراً!!.

         الغنم السوداء مجنونة بنت مجنونة، وبها عفرتة وشيطنة، فدأبها النطنطة والقفز فوق السناسل(جدران من الحجارة)، تتعب راعيها وتشقيه، وتبقيه دائم المطاردة لها، يذبها عن تخوم البساتين وحمى الكروم، ويبعدها عن الشجر، الذي تتعربش أغصانه بمهارة وخفة تنهش أوراقه الغضة!!.

      ولهذا فرعاة الغنم السوداء نزقون سريعو الغضب، تراهم مدججين بشتائم شديدة الغلظة، يقصفون بها قطيعهم؛ إذا ما ولى بعيداً عن مداهم، أو مدى مقاليعهم (المقلاع خيطان غليظان تقذف به الحجارة إلى مسافة بعيدة)، فالراعي كان يعيد العنزة الهاربة بحجر، وقد يصيبها في مقتل، مما يضطره إلى تداركها بسكينته فيذبحها ذبح خسارة!!.

     ولخشونة رعي الغنم السوداء، فندرة من رعاتها كانوا يترنمون على الشبابة(أداه موسيقية تشبه الناي)، ويجيدون الضرب عليها، ليطربوا أنفسهم ويرددوا صدى لحنهم وشجنهم في أسماع الأودية، ومن الندرة أن تجد راعياً للغنم يقود قطيعه ويوجهه باللحن والترنيم، ألا أبا سليم الشفيف، فلم يكن يتخذ مقلاعا أو عصا لأغنامه، بل يوجهها بالشبابة ويدير دفة مسيرها بالترنيم!، فما كان عليه ألا أن يعتلي صخرة شاهقة ويطرز ألحانه؛ فتأتيه الغنم من بعيد ملمومة حوله بعد أن تترك انهماكها العشب، وكان إذا أراد طريقا بعينها، فيضرب لحنا محدداً تحفظه الغنم عن ظهر أذن وقلب، وهكذا فلكل طلب في نفسه يترجمه أمراً بالشبابة!!.

         ولفرط ثقته بشبابته وأغنامه راهن أبو سليم أهل القرية، بأنه يستطيع أن (يكُفَّ) قطيعه في الظهيرة عن عين الماء ولا يدعه تشرب!، فكما تعلمون فالغنم تهرع مسرعة كشهاب إلى الماء، ولا أحد يقدر أن يمنعها من أن تروي ظمأها!!.

        تربع على صخرة مطلة، لما اقتربت أغنامه من عين الماء، وأطلق عنان شبابته لحنا غريباً، فكفت الغنم جميعها، ورجعت إليه مسحوبة بحبل سري، رغم الشمس الحارقة والعطش الشديد، والناس تستهجن هذا الذي يقدر أن يعيد أغنامه، وقد غدت قاب غبتين من الماء!!.

       إحدى العنزات لم تكف، ولم ترجع إليه، بل ظلت مسرعة في مشيتها نحو الماء، مما جعل الحاضرين يستنكرون، وهنا قال لهم أبو سليم: هذه العنزة ليس بها مخ!!، فلو كان بها مخ؛ لعادت بحبل ترانيمي!!!.

         في تلك الظهيرة الحارقة كانت رائحة الشواء تعج بخاصرة الوادي، فأبو سليم سره أن شارك مراهنيه وليمتهم الطارئة، بعد أن وضع ثمن عنزته النشاز في جيبه.. وللآن إذا ما مررت بعين الماء وأرخيتم سمعكم قليلاً، فلربما تترنمون بلحن شبابة عتيق ما زال يسكن ذاكرة الوادي!!. ramzi972@hotmail.com

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر